محمد سعيد رمضان البوطي

170

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

التشدد في أسباب الحيطة ريثما يتجاوز المسلمون مرحلة الخطر ويصبحون قادرين على امتلاك أمرهم وضبط أزمتهم بأيديهم . وبعبارة موجزة نقول : إن من شأن اتباع الرخص والتسهيلات الدينية ، أن تصبح منزلقا ، تحت أقدام أصحابها ، إلى التحلل العام عن أصل الواجبات ، ما لم يوجد تيار اجتماعي ديني سليم يضبط تلك الرخص ضمن منهج إسلامي عام ويحفظها عن أن تشتط وتتجاوز الحدود المشروعة . ومن عجيب أمر بعض الناس أنهم ، يتعلقون بهذا الذي يسمونه : تبدل الأحكام بتبدل الأزمان في مجال التخفيف والتسهيل والسير مع مقتضيات التحلل من الواجبات فقط ، ولكنهم لا يتذكرون هذه القاعدة إطلاقا عندما يقتضيهم الأمر عكس ذلك ، وأنا فلست أجد مثالا تتجلى فيه ضرورة تبدل الأحكام بتبدل الأزمان مثل ضرورة القول بوجوب ستر المرأة وجهها نظرا لمقتضيات الزمن الذي نحن فيه ، ونظرا لما تكاثر فيه من المنزلقات التي تستوجب مزيدا من الحذر في السير وتبصر مواقع الأقدام ريثما يهيئ اللّه للمسلمين مجتمعهم الإسلامي المنشود . ثانيا : هذه الحادثة التي صدرت من يهود قينقاع ، تدل على حقد دفين في صدورهم على المسلمين . ولكن لماذا تأخرت دلائل هذا الحقد في الظهور والانكشاف خلال ثلاث سنين من الزمن استطاع اليهود خلالها أن يكظموا حقدهم ويبطنوا كيدهم ؟ والجواب : أن الذي ألهب مشاعرهم وأثار الحقد الدفين في نفوسهم إنما هو ما وجدوه من انتصار المسلمين في بدر ، وهو أمر لم يكونوا يتوقعونه بحال ، فضاقت صدورهم بما احتوته من الغيظ والأحقاد ولم يجدوا إلا أن ينفسوا عنها بمثل هذا الذي أقدموا عليه ، بل إن حقدهم على المسلمين تجلّى صراحة فيما رويناه من كلامهم وتعليقاتهم على انتصار المسلمين في غزوة بدر : روى ابن جرير أن مالك بن الصيف - أحد يهود المدينة - قال لبعض المسلمين عند رجوعهم من بدر : « أغرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال ؟ أما لو أسررنا نحن العزيمة أن نستجمع عليكم ، لم يكن لكم يد على قتالنا » . . . ولو أن اليهود احترموا ما بينهم وبين المسلمين من عهود ومواثيق ، لما وجدوا من المسلمين من يسيء إليهم بكلمة أو يزعجهم في مسكن أو مقام ، ولكنهم أبوا إلا شرّا ، فكان مردّ الشرّ على نفوسهم . ثالثا - ( معاملة المنافق في الإسلام ) : - هذه الحادثة وما أعقبها من دفاع عبد اللّه بن أبي عن اليهود بالشكل الذي رأيناه ، لا تكاد تخفي من أمر نفاق هذا الرجل شيئا . فقد اتضح من موقفه ذاك أنه كان يصطنع الإسلام نفاقا ، وأنه في أعماق قلبه إنما يضمر شرّا بالإسلام وأهله .